ترامب هدد برد قاس.. واشنطن تحذّر طهران بعد دخول الاحتجاجات مرحلة مفصلية
ترامب هدد برد قاس.. واشنطن تحذّر طهران بعد دخول الاحتجاجات مرحلة مفصلية
تشهد إيران منذ أيامٍ واحدةً من أوسع موجات الاحتجاجات الشعبية في السنوات الأخيرة، وسط تصاعد غير مسبوق في التوتر الداخلي وتزايد التحذيرات الخارجية، وفيما تتسع رقعة التظاهرات وتتعقد مطالبها، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرا شديد اللهجة، ملوحاً برد قاس جدا إذا أقدمت قوات النظام الإيراني على قتل المتظاهرين، في موقف يعكس حجم القلق الدولي من تطورات المشهد الإيراني واحتمالات انزلاقه نحو العنف الواسع.
وبحسب تصريحات أدلى بها ترامب ونقلتها وسائل إعلام أمريكية بينها نيويورك تايمز، أكد الرئيس الأمريكي مساء الأحد أن بلاده تتابع ما يجري في إيران من كثب، محذرا من تكرار سيناريوهات القمع الدموي التي شهدتها احتجاجات سابقة، وقال ترامب خلال حديثه مع الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان" إن قتل المتظاهرين السلميين سيقابل بضربة شديدة من الولايات المتحدة، في ثاني تحذير علني يصدر عنه خلال يومين فقط.
تحذير أمريكي ورسائل مباشرة
يأتي هذا التصعيد في الخطاب الأمريكي بعد أن كتب ترامب يوم الجمعة منشوراً على منصته "تروث سوشيال"، أكد فيه أن الولايات المتحدة ستسارع لمساعدة المتظاهرين إذا أطلق النظام الإيراني النار عليهم، مضيفا أن واشنطن جاهزة ومجهزة، وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة داخل إيران وخارجها، ورفعت منسوب التوتر السياسي في المنطقة.
ويرى مراقبون أن تحذيرات ترامب تعكس تحولا في نبرة التعاطي الأمريكي مع الاحتجاجات الإيرانية، من المتابعة الحذرة إلى التلويح بإجراءات مباشرة، ما يضع النظام الإيراني أمام معادلة صعبة بين احتواء الغضب الشعبي وتجنب استفزاز خارجي قد تكون له كلفة عالية.
رد إيراني وتحذير مضاد
في المقابل، سارع وزير خارجية الحكومة الإيرانية عباس عراقجي إلى الرد على تصريحات ترامب، واصفا إياها بالمتهورة والخطيرة، وقال إن هذه المواقف ربما تصدر بتأثير تيارات داخل الولايات المتحدة تعارض الدبلوماسية أو ترى أنها غير ضرورية، مؤكدا أن الشعب الإيراني سيرفض أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية.
وأضاف عراقجي أن القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب، وأن أي انتهاك لسيادة البلاد سيقابل برد تعرف إيران جيدا كيف تنفذه، كما حاول التقليل من حدة الاحتجاجات، واصفا إياها بأنها في معظمها سلمية، ومقارنا بين تعامل السلطات الإيرانية وبين قرار ترامب نشر الحرس الوطني في مدن أمريكية، في محاولة لعكس الاتهام على واشنطن.
من احتجاجات معيشية إلى مطالب سياسية
اندلعت الاحتجاجات في إيران على خلفية تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة الوطنية، واستمرار الركود، قبل أن تتطور تدريجيا لتشمل مطالب سياسية تتعلق بالحوكمة والحريات والمسؤولية السياسية، وبحسب تقارير ميدانية، فقد امتدت الاحتجاجات إلى ما لا يقل عن 78 مدينة بدرجات متفاوتة.
وحتى نهاية اليوم الثامن للاحتجاجات، أفادت مصادر حقوقية بمقتل ما لا يقل عن 16 متظاهرا خلال المواجهات مع القوات الأمنية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ارتفاع هذا العدد مع استمرار التصعيد.
قلق في قمة هرم السلطة
تزامنًا مع اتساع رقعة الاحتجاجات، كشفت تقارير صحفية عن حالة قلق متزايد داخل الدوائر العليا للنظام الإيراني، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، نقلا عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار، أن قادة الجمهورية الإيرانية أقروا في اجتماعات غير علنية بأن النظام دخل مرحلة البقاء، في إشارة إلى أخطر مراحل التحدي السياسي.
وبحسب التقرير، يعاني النظام من محدودية الأدوات المتاحة لاحتواء الأزمة الاقتصادية التي تشكل المحرك الرئيسي للاحتجاجات، إضافة إلى تعقيدات المواجهة المحتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يضع القيادة أمام ضغوط داخلية وخارجية متزامنة.
خطاب رئاسي وتباين داخل السلطة
في أول خطاب علني له منذ اندلاع الاحتجاجات، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يوم الخميس إن كل سياسة غير عادلة محكوم عليها بالفشل، مؤكدا ضرورة أن تصغي الحكومة إلى صوت الشعب، غير أن تقارير أشارت إلى وجود تباين داخل بنية السلطة، حيث اقترح بعض مستشاريه تحميل النظام السياسي المزدوج ودور المرشد علي خامنئي جزءا من مسؤولية الأزمة.
في المقابل، تبنى خامنئي موقفا أكثر تشددا، داعيا إلى إعادة ما وصفهم بمثيري الشغب إلى أماكنهم، في إشارة إلى تشديد القبضة الأمنية، وهو ما يعمق المخاوف من تصعيد القمع خلال الأيام المقبلة.
مواقف إقليمية وضغوط دولية
على الصعيد الإقليمي، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأحد، إن الاحتجاجات في إيران ربما بلغت نقطة تحول، مضيفا أن الإيرانيين قد يكونون بصدد الإمساك بمصيرهم بأيديهم، وأكد أنه ناقش تطورات الوضع مع ترامب خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة.
دوليا، تتزايد الدعوات إلى ضبط النفس واحترام حقوق المتظاهرين، في وقت تراقب فيه عواصم العالم بقلق مسار الأحداث، خشية انزلاق إيران إلى مواجهة داخلية واسعة أو صدام خارجي.
تضييق الاتصالات وتصعيد أمني
بالتوازي مع الاحتجاجات، شددت السلطات الإيرانية القيود على الاتصالات، ووفقا لبيانات شركة كلاودفلير الأمريكية، انخفضت سرعة الإنترنت في إيران بنحو 35 في المئة خلال الأيام الأخيرة، فيما أفاد مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي باضطرابات حادة في الخدمة.
وحذّر نشطاء من احتمال قطع الإنترنت بالكامل إذا استمرت الاحتجاجات، وهو إجراء سبق أن استخدمته السلطات خلال موجات احتجاج سابقة للحد من التواصل وتبادل المعلومات.
امتداد جغرافي وقلق حقوقي
أفادت منظمة هانا الحقوقية بأن الاحتجاجات والإضرابات امتدت حتى يوم الأحد 4 يناير إلى 174 نقطة في 60 مدينة و25 محافظة في مختلف أنحاء البلاد، كما جرى تسجيل احتجاجات طلابية في 18 جامعة، شهدت 18 تجمعا في 15 جامعة.
وتشير التقارير الميدانية إلى تنوع اجتماعي واسع في صفوف المحتجين، يقابله انتشار مكثف للقوات الأمنية وتصاعد حدة المواجهات، وأظهرت مقاطع مصورة فرض أجواء أمنية مشددة، شملت اعتقالات عنيفة في الأماكن العامة واستخدام الغاز المسيل للدموع، إضافة إلى تقارير عن استخدام أسلحة في بعض المناطق.
مخاوف على المعتقلين وغياب الضمانات
أعربت منظمات حقوقية عن قلق بالغ إزاء أوضاع المعتقلين، في ظل غياب معلومات واضحة حول أماكن احتجازهم والتهم الموجهة إليهم، كما أثيرت مخاوف بشأن حرمانهم من المحاكمات العادلة، ومنعهم من التواصل مع محامين أو عائلاتهم، وهي مخاوف تتضاعف عندما يتعلق الأمر بمعتقلين دون سن 18 عاما.
شهدت إيران خلال العقود الأخيرة موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية، غالبا ما ارتبطت بأزمات اقتصادية وسياسية عميقة، وفي كل مرة، شكّل تعامل السلطات مع هذه الاحتجاجات محورا رئيسيا للجدل الداخلي والدولي، ومع تفاقم الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات وسوء الإدارة وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، باتت الاحتجاجات الحالية أكثر اتساعا وتعقيدا من سابقاتها، ويأتي ذلك في ظل بيئة إقليمية ودولية متوترة، ما يجعل أي تصعيد داخلي في إيران ذا انعكاسات تتجاوز حدودها، ويضع النظام أمام اختبار حاسم بين الإصلاح أو المواجهة المفتوحة.











